عبد الملك الثعالبي النيسابوري

13

فقه اللغة وسر العربية

والأشعار ، أفضتْ بنا شجون الحديث إلى هذا الكتاب المذكور ، وكونه شريف الموضوع أنيق المسموع إذا خرج من العدم إلى الوجود . فأحلت في تأليفه على بعض حاشيته من أهل الأدب إذا أعاره - أدام الله قُدرته - لمحةً من هدايته وأدَّه بشعبة من عنايته ، فقال لي صدّق الله قوله ولا أعدم الدنيا جماله وطَولَه كما أذاق العِدا بأسه وصَولَه : إنك إن أخذت فيه أجدت وأحسنت ، وليس له إلا أنت . فقلت له : سمعاً سمعا ، ولم أسْتَجِز لأمره دَفعا ، بل تقبَّلته باليدين ووضعته على الرأس والعين . وعاد - أدام الله تمكينه - إلى البلدة عَودَ الحَلي إلى العاطل والغيث إلى الرَّوض الماحِل فأقام لي في التأليف معالم أَقِفُ عندها وأقفوا حدَّها وأهاب بي إلى ما اتخذته قِبلة أُصلِّي إليها وقاعدة أبني عليها من التمثيل والتنزيل والتفصيل والترتيب والتقسيم والتقريب . وكنت إذ ذاك مقيم الجسم شاخص العزم فاستأذنته في الخروج إلى ضيعة لي متناهية الاختلال بعيدة المزار فأجمع فيها بين الخلوة والتأليف وبين الاستعمار . فأذن لي - أدام الله غِبطته - على كره منه لفرقتي وأمر - أعلى الله أمره - بتزويدي من ثمار خزائن كتبه عمَّرها الله بطول عمره ما أستَظهِرُ به على ما أنا بصدده . فكان كالدليل يعين ذا السفر بالزاد والطبيب يتحف المريض بالدواء والغذاء . وحين مضيت لِطِيَّتي وألممت بمقصدي وجدتُ بركة حُسْن رأيه ويُمن اعتزائي إلى خدمته قد سبقاني إليه وانتظراني به وحصلت مع البعد عن حضرته في مطرح من شعاع سعادته يُبَشِّرُ بالصُّنع الجميل ويؤذن بالنُّجح القريب . وَتُرِكْتُ